محمد بن أحمد الفرغاني

18

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

تنبيه : ولما ذكر في هذه الأبيات بيان تطابق المثالين من جهة السير في معنى كل صورة محسوسة أو معنى صوت عدالته وظهور أثر الحبّ بوساطته وإدراك حضرة المحبوب من حيث ذلك المعنى ، وحصول المثال من شهود تلك الحضرة في الروح والقوى الباطنة ، وسراية أثر ذلك إلى الظاهر نزولا ، وحصول ومثال تلك الحضرة في النفس رجع إلى ذكر السير من جهة صورة ذلك المعنى المدركة بالحواس الخمسة ، وذكر حصول المثالين في الروح والنفس بوساطة إدراك تلك الصورة المحسوسة ، وشهودهما تلك الحضرة المحبوبية ، فما ينقل الحسّ إليهما من الصور وينبّه للحضور لما تلقته من ذلك . تنبّه لنقل الحسّ للنّفس ، راغبا عن الدّرس ، ما أبدت بوحي البديهة اللام الأولى لتعدية تنبه ، والثانية لتعدية أبدت ، وراغبا حال من ضمير مستكنّ في تنبه ، والياء للوساطة ، وفاعل أبدت حضرة المحبوب . يقول : ولما عرفت ما نقلته الحواس إلى الروح من المعنى في ضمن الصورة ، وشهود الروح حضرة المحبوب في ذلك المعنى ، وسراية أثر ذلك الشهود إلى القوى الباطنة نزولا لا عروجا يرجع إلى ذكر ما ينقل الحواس الخمسة من الصور إلى النفس ، وأبدت حضرة المحبوب ذلك للنفس بوحي مدرك بالبديهة ، وينتقل أثر ذلك إلى الروح عروجا لا نزولا ، ولمّا كان مقتضى العادة أن يكون أثر شهود الروح من جهة المعنى يظهر فيها بطريق العروج لا بطريق النزول ، وأن يكون أثر شهود النفس ونقل الحواس إليها من الصور يرجع إلى النفس من جهة النزول إلى ظاهرها من حيث وصف الكثرة ، والأمر في هذا السير رفع على خلاف مقتضى عادة سير السائرين ؛ لهذا احتاج في كل واحد من السيرين إلى تقديم تنبيه ، فقال في السير الأول : دونك ، أي خذ سر ما تلقّته منها ، وقال في الثاني : تنبّه ، لنقل الحسّ . المعنى : يقول : كل ما سمعته وعلمته بطريق الدراسة والنقل من أقوال الحكماء والعلماء أن الروح الروحانية وصفاتها الوحدانية من شأنها العروج لا النزول ، وأن النفس وصفاتها المتكثّرة من شأنها النزول لا العروج ، وأن البديهيات المحسوسة والمعقولة المدركة بلا فكرة ورويّة هي من خواص ما يظهر به العقل أو